الشيخ محمد رشيد رضا

409

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيكون المعنى ان اللّه لم يأذن لكم بل أنتم تفترون على اللّه تعالى ، والغاية واحدة ، وأصل الفري قطع الجلد لمصلحة والافتراء تكلفه وغلب في تعمد الكذب قال الكرخي في هذا الاستفهام : وكفى به زاجرا لمن أفتى بغير إتقان ، كبعض فقهاء هذا الزمان ، وقال العماد ابن كثير في تفسيره : وقد أنكر اللّه على من حرم ما أحل اللّه أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ، ولا دليل عليها اه ونحن نقول : وكفى به زاجرا لمن يحرمون على الناس ما لم يحرمه اللّه تعالى بنص كتابه كالتحريم بالرأي والقياس ، أو بدليل ظني من الكتاب والحديث غير قطعي الرواية والدلالة ، وهو مخالف لهذه الآية وأمثالها ، والمروي عن السلف ان التحريم لا يكون إلا بنص قطعي ، وهو أصل مذهب الحنفية والكرخي منهم ، وقد تقدم بيان هذا مرارا في هذا التفسير ومنه قول القاضي أبي يوسف لم يكونوا يقولون في شيء انه حرام إلا ما كان بينا في كتاب اللّه بلا تفسير « 1 » وفي هذه الآية قواعد أشرنا إلى ثلاث منها ( القاعدة الأولى ) ان الأصل في كل ما خلقه اللّه تعالى للناس من الارزاق نباتها وحيوانها الإباحة ، وهو يتضمن بطلان قول من يحرمون أكل اللحوم ، ولهم على هذا شبهتان أولاهما قديمة وهي زعمهم ان أكل لحم الحيوان يتوقف على تذكيته بالذبح وغيره وهو تعذيب مستقبح عقلا ، وجوابه ان هذا القول جهل فان التذكية الشرعية ليست تعذيبا وربما كانت أهون من موته بسبب آخر من أسباب الموت كافتراس سبع أو ترد من مكان عال ، أو انخناق بين شجرتين مثلا ، أو نطاح ، أو وقذ راع قاس أو معتد آخر « 2 » وقد حرم اللّه في آية المائدة ( 5 : 3 ) أكل ما مات بسبب من هذه الأسباب كالذي يموت حتف أنفه . ونهى الشرع عن تعذيب أي ذي روح وحث على رحمته كما تقدم قريبا في تفسير الرحمة ( ص 404 ) وقال نبي الرحمة صلّى اللّه عليه وسلّم « ان اللّه كتب الاحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته » رواه مسلم من حديث شداد بن ثابت ( رض ) والذبح بهذه الصفة لا يؤلم

--> ( 1 ) راجع صفحة 371 ج 10 تفسير ( 2 ) الوقذ الضرب الشديد بالعصا وغيرها .